أحمد بن أعثم الكوفي
293
الفتوح
ثم أرسل إلى قيس بن سعد فدعاه إلى البيعة ، فأبى أن يبايع ، فدعاه الحسن وأمره أن يبايع معاوية ، فقال له قيس : يا بن رسول الله ! إن لك في عنقي بيعة ، وإني والله لا أخلعها أبدا حتى تكون أنت الذي تخلعها ! فقال له الحسن : فأنت في حل وسعة من بيعتي ، فبايع ! فإني قد بايعت ، فعندها بايع قيس لمعاوية . فقال له معاوية : يا قيس ! إني قد كنت أكره أن تجتمع الناس إلي وأنت حي . فقال قيس : وأنا والله يا معاوية قد كنت أكره أن يصير هذا الأمر إليك وأنا حي ( 1 ) . قال : ثم انصرف الناس يومهم ذلك ، فلما كان من الغد أقبل الحسن إلى معاوية حتى دخل عليه ، فلما اطمأن بن المجلس قال له معاوية : أبا محمد ! إنك قد جدت بشيء لا تجود به أنفس الرجال ، ولا عليك أن تتكلم ( 2 ) وتعلم الناس بأنك قد بايعت حتى يعلموا ذلك ! قال الحسن : فإني أفعل . ثم تكلم الحسن وقال ( 3 ) : أيها الناس ! إن أكيس الكيس التقى ، وإن أحمق الحمق الفجور ، وإنكم لو طلبتم ما بين جابلق وجابرص ( 4 ) رجلا جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما وجدتموه غيري وغير أخي الحسين ، وقد علمتم أن الله تعالى هداكم بجدي محمد ، وأنقذكم به من الضلالة ، ورفعكم به من الجهالة ، وأعزكم به بعد الذلة ، وكثركم به بعد القلة ، وإن معاوية نازعني على حق هو لي دونه ، فنظرت صلاح الأمة ، وقد كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت ، وإن معاوية واضع الحرب بيني وبينه ، وقد بايعته ورأيت أن ما حقن الدماء خير مما سفكها ، ولم أرد بذلك إلا صلاحكم وبقاءكم ، ( وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين ) ( 5 ) .
--> ( 1 ) كذا بالأصل ، وفي الطبري 6 / 94 أن قيس بن سعد رفض مبايعة معاوية مع إخباره بتسليم الأمر إليه : " فأرسل إليه معاوية بسجل قد ختم عليه في أسفله فقال : اكتب في هذا السجل ما شئت فهو لك . فاشترط قيس فيه له ولشيعة علي الأمان على ما أصابوا من الدماء والأموال . . . وأعطاه معاوية ما سأل ، فدخل قيس ومن معه في طاعته " . ( 2 ) وفي مروج الذهب 2 / 479 أن عمرو بن العاص أشار على معاوية أن يأمر الحسن بأن يتكلم أمام الناس لكي " يبدو عليه للناس بأن يتكلم بأمور لا يدري ما هي ، ولم يزل به حتى أطاعه " . ( 3 ) الطبري 6 / 93 مروج الذهب 2 / 480 الإمامة والسياسة 1 / 163 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4 / 695 باختلاف النصوص . ( 4 ) في معجم البلدان : جابرس ، وفي رواية : حابلص . ( 5 ) سورة الأنبياء الآية 111 .